د كريم أبوعيش يكتب / من المكتب إلى العنابر… كيف يعيد محمد شيمي معنى المسؤولية؟

بقلم: د. كريم ابوعيش
في بلدٍ اعتاد أن يرى المسؤول في الصور أكثر مما يراه في مواقع العمل، يصبح نزول الوزير إلى المصنع أشبه بعودة الروح إلى ماكينات صمتت طويلًا.
المهندس محمد شيمي، وزير قطاع الأعمال العام، كسر هذا النمط مبكرًا. تحركاته المتكررة داخل المصانع لم تمر مرور الكرام، لا عند الإدارات، ولا في دوائر المتابعة، ولا حتى عند العامل البسيط الذي لم يعتد أن يرى الوزير واقفًا بجواره وسط ضجيج خطوط الإنتاج.
منذ توليه المسؤولية، تحوّلت زياراته من مناسبات شكلية إلى جولات منتظمة تحمل أكثر من رسالة. الرسالة الأهم أن الدولة تريد أن ترى بعينها، لا أن تكتفي بتقارير تُصاغ بعناية، وأحيانًا بعيدًا عن الحقيقة الكاملة.
زيارة شركة النصر للسيارات لم تكن رمزية، بل إشارة واضحة إلى أن ملف الصناعة الوطنية لم يعد مجرد عنوان سياسي، بل مشروع يخضع للمتابعة الميدانية ولمراجعة الجاهزية الفعلية. وفي غزل المحلة، قلب الصناعة الثقيلة، بدت الرسالة أكثر وضوحًا: إنقاذ الكيانات الكبرى يبدأ من فهم التفاصيل اليومية، لا من الاكتفاء بعناوين خطط التطوير.
كما شملت الجولات الشركة المصرية للمواسير (سيجورات)، في رسالة تؤكد أن إصلاح قطاع الأعمال لا يقتصر على المصانع الكبرى فحسب، بل يمتد إلى كل القطاعات الصناعية الحيوية، حيث الانضباط في خطوط الإنتاج وإدارة الشركات له نفس الأهمية في دعم الاقتصاد الوطني.
ولم تتوقف الجولات عند هذه النماذج، بل امتدت إلى شركات في قطاعات الكيماويات والدواء والألومنيوم، في محاولة لرسم صورة شاملة عن أوضاع شركات الدولة، بين من يعاني خسائر مزمنة، ومن يمتلك فرصًا حقيقية للنمو إذا أُحسن توجيهها.
اللافت أن الوزير لا يتعامل مع القطاع باعتباره كتلة واحدة، بل منظومة متعددة المشكلات والفرص. لكل شركة خصوصيتها، ولكل قطاع تحدياته، وهو ما يجعل الحضور الميداني أداة ضرورية لصياغة قرارات واقعية قابلة للتنفيذ.
لكن الحضور وحده لا يكفي. فالمصانع لا تُنقذ بالزيارات، بل بالقرارات التي تترجم هذا الحضور إلى أفعال. ومع ذلك، فإن تكرار الجولات في فترات متقاربة يعكس إدراكًا بأن الإصلاح لا يتم بضغطة زر، وأن المتابعة المستمرة هي الفارق بين خطة على الورق وتغيير ملموس على الأرض.
وليس معنى هذا الحضور الميداني أن الوزير غائب عن دوائر صنع القرار. وعندما يعود محمد شيمي إلى مكتبه، لا يعود إلى عزلة الملفات، بل إلى طاولة حوار تضم وزراء، وسفراء دول، وممثلي مجتمع الأعمال، ورؤساء الشركات القابضة، ومجالس إدارات الشركات التابعة، في إطار إدارة ملف لا يقتصر على التشغيل، بل يمتد إلى التفاوض، وبناء الشراكات، وربط الصناعة الوطنية بحسابات أوسع تتجاوز حدود المصنع. يوم عمل يتحرك فيه الوزير بين الميدان وغرف القرار، حيث لا يُفصل صوت الماكينات عن لغة السياسة والاقتصاد.
تحركات محمد شيمي تُعيد الاعتبار لفكرة «الإدارة بالحضور»، لكنها تضعنا أيضًا أمام سؤال جوهري: هل يكفي أن يرى الوزير بعينه، أم أن المطلوب أن يسمع صوت الماكينات وهي تعود للعمل؟ فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الجولات، بل بعرق العامل حين يجد أن الدولة تقف بجواره… لا خلف مكتبها.
د/ كريم ابوعيش
مدير عام العلاقات العامة
ومسئول علاقات المستثمرين
شركة زهراء المعادي للاستثمار والتعمير










