
بقلم د كريم ابوعيش
حين نتحدث عن تطوير قطاع الأعمال العام، فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: ماذا سنضيف؟ بل: ماذا سنصحّح؟ التجربة أثبتت أن أي تطوير لا يبدأ بمراجعة جادة للأداء الإداري، يظل تطويرًا شكليًا لا يغيّر الواقع.
لسنوات، ركّز الجميع على ضخ الاستثمارات وتحديث الأصول، بينما الحلقة الأضعف بقيت بلا مساس… الإدارة نفسها. أخطاء تكررت، ونتائج لم تتغير، دون محاسبة أو تقييم حقيقي. ومع الوقت، أصبح البقاء في المنصب أمرًا معتادًا، بغضّ النظر عن الحصيلة أو الأثر.
في قطاع الأعمال العام، لم تكن المشكلة في نقص الموارد بقدر ما كانت في غياب معايير واضحة. معايير تفرّق بين من يعمل ومن يكتفي بالموقع، بين من يضيف قيمة ومن يكرر نفس التجربة. الخسائر كانت تُبرَّر، والتراجع يُدار، لا يُعالَج.
“أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة، أن تعتاد الفشل دون أن تخجل منه.”
من هنا تأتي أهمية تحركات المهندس محمد شيمي، وزير قطاع الأعمال العام. فتح الملفات، النزول الميداني، مراجعة أوضاع الشركات، لم يكن لتصفية حسابات، بل لتصحيح المسار ووضع قواعد منضبطة للعمل، أساسها الأداء والالتزام والمسؤولية.
التطوير الحقيقي لا يبدأ دون محاسبة عادلة، ولا يستمر إذا ظل الفشل بلا تكلفة واضحة. “التطهير” هنا لا يعني الإقصاء، بل المراجعة، إعادة ترتيب المواقع، ومنح الفرصة لمن يثبت كفاءته، أيا كان موقعه أو عمره الوظيفي.
غياب المحاسبة يظهر بوضوح في بيئة العمل نفسها. حين يشعر العامل أن جهده لا يُقدَّر، وأن التقصير لا يُراجع، تفقد المؤسسة روحها، ويتحول الأداء إلى روتين بلا طموح. العدالة الإدارية ليست رفاهية، بل شرط أساسي لأي إصلاح حقيقي.
ولتطوير بيئة العمل بشكل فعّال، يجب خلق إطار يشعر فيه كل موظف بالوضوح والعدالة: بيئة تحدد المهام بدقة، مؤشرات الأداء قابلة للقياس، ونظام الحوافز يربط الجهد بالنتيجة، لا بالقرب من المكتب أو طول مدة الخدمة. بيئة صحية كهذه لا تصنع الأداء فقط، بل تحمي أي قرار إصلاحي من التآكل مع الوقت.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة الاستثمار في القيادات الشابة داخل شركات قطاع الأعمال العام. هناك كفاءات مؤهلة علميًا وعمليًا، بقيت لسنوات دون مسار واضح للترقي أو تحمل المسؤولية. بناء صف ثانٍ وثالث من القيادات لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة لضمان الاستمرارية وتراكم الخبرة.
ولتحقيق ذلك، يمكن العمل على عدة مسارات عملية:
• وضع برامج إعداد قيادي تعتمد على التدريب العملي وتقييم الأداء، لا الأقدمية فقط.
• إشراك الكوادر الشابة في فرق العمل المعنية بالملفات الكبرى، لإكسابهم خبرة حقيقية في اتخاذ القرار.
• تحديد معايير واضحة للترقي وتولي المناصب القيادية، ترتبط بالكفاءة والنتائج، مع مراجعة دورية للأداء لضمان العدالة والاستمرارية.
هذه الخطوات لا تنتقص من خبرة القيادات الحالية، بل تكملها، وتخلق توازنًا بين الخبرة والتجديد، وبين الاستقرار والتطوير.
نحن أمام مرحلة لا تحتمل المجاملات، لكنها لا تحتاج أيضًا إلى صدام. مرحلة يكون فيها المنصب تكليفًا لا تشريفًا، والاستمرار مرتبط بما يُقدَّم لا بما مضى. الإصلاح الحقيقي لا يقوم على تغيير الأسماء فقط، بل على تغيير طريقة العمل نفسها.
حان وقت التطهير… ليس كشعار عابر، بل كمدخل جاد لتطوير يقوم على المحاسبة، يصنع قيادة قادرة على الاستمرار، ويعيد لقطاع الأعمال العام ثقته في نفسه وفي مستقبله.
قرار اليوم اختبار حقيقي للنية في الإصلاح، والفرصة التي تُمنح بغير استحقاق هي دعوة صريحة لتكرار الخطأ. الوقت لا ينتظر أحدًا.








