825466497 2179267846347228 7839258242972033288 n
825466497 2179267846347228 7839258242972033288 n

بقلم: محمد الشناوي

تمثل الصناعة أحد الأعمدة الرئيسية لأي اقتصاد يسعى إلى تحقيق النمو المستدام، وتزداد أهميتها في ظل التحديات العالمية المتلاحقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والخامات، وهو ما يجعل امتلاك قاعدة صناعية قوية وقادرة على الإنتاج والمنافسة ضرورة اقتصادية وليست مجرد خيار.

وفي هذا السياق، يأتي إطلاق صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة برأسمال مليار جنيه، بمشاركة القطاع المصرفي واتحاد الصناعات المصرية، باعتباره خطوة تستهدف إعادة الحياة إلى أصول إنتاجية توقفت أو تراجعت قدرتها على العمل، وتحويلها مرة أخرى إلى طاقات منتجة تساهم في دعم الاقتصاد الوطني.

الفكرة في جوهرها لا تتعلق بضخ الأموال في مصانع متعثرة بصورة عشوائية، وإنما بإعادة تقييم هذه المنشآت وتحديد القابل منها لإعادة التشغيل والنمو، ثم التعامل مع أسباب التعثر من خلال مزيج من إعادة هيكلة الديون، وضخ رؤوس أموال جديدة، ورفع الكفاءة التشغيلية، وتحسين الإدارة والحوكمة.

وتكشف البيانات الحكومية عن حجم التحدي؛ إذ تم حصر 7422 مصنعًا متعثرًا حتى نهاية ديسمبر 2025، فيما نجحت الدولة في إعادة تشغيل 1420 مصنعًا منها. وهذا الرقم يوضح أن ملف المصانع المتعثرة ليس ملفًا هامشيًا، بل قضية اقتصادية ترتبط بالإنتاج والعمالة والاستثمار وسلاسل التوريد.

والأهم أن التعثر الصناعي لا يحمل سببًا واحدًا. فهناك مصنع يعاني أزمة سيولة، وآخر تراكمت عليه الديون، وثالث يحتاج إلى تحديث خطوط الإنتاج، ورابع يواجه مشكلة في الإدارة، بينما توجد مصانع تعاني من مشكلات في الملكية أو التراخيص أو الأسواق.

ولهذا فإن نجاح صندوق إعادة الهيكلة يرتبط بدرجة كبيرة بقدرته على التعامل مع كل مصنع وفق حالته الخاصة، وعدم اعتبار التمويل حلًا وحيدًا لكل المشكلات.

وتبرز أهمية مشاركة البنوك في الصندوق، خاصة البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك العربي الإفريقي الدولي والبنك الزراعي المصري والبنك المصري لتنمية الصادرات، إلى جانب اتحاد الصناعات المصرية، في توفير مزيج من الخبرة المصرفية والصناعية والاستثمارية.

كما أن تولي شركة متخصصة إدارة الصندوق يضيف بعدًا استثماريًا مهمًا، لأن الهدف ليس تقديم تمويل مؤقت ثم انتظار عودة المصنع إلى التعثر، وإنما تنفيذ خطط لإعادة الهيكلة تضمن قدرة المنشأة على الاستمرار وتحقيق عائد اقتصادي.

وهنا يجب التأكيد على أن المليار جنيه ليس الهدف في حد ذاته، وإنما وسيلة لإعادة تشغيل الأصول الإنتاجية القابلة للحياة.

فالمعيار الحقيقي لنجاح الصندوق لن يكون حجم الأموال التي تم ضخها، وإنما عدد المصانع التي عادت إلى الإنتاج بصورة مستدامة، وحجم الطاقة الإنتاجية التي تمت استعادتها، وعدد فرص العمل التي تم الحفاظ عليها أو خلقها، وحجم الاستثمارات الجديدة التي استطاعت هذه المصانع جذبها.

وتحمل إعادة تشغيل المصانع المتعثرة مكاسب تتجاوز حدود المصنع نفسه. فعندما يعود مصنع إلى الإنتاج، تتحرك معه منظومة واسعة من الموردين وشركات النقل والخدمات والصيانة والتعبئة والتوزيع والتجارة، بما يعني أن كل مصنع يتم إنقاذه يمكن أن يمثل نقطة انطلاق لنشاط اقتصادي أوسع.

كما أن عودة المصانع إلى العمل يمكن أن تدعم توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، خاصة إذا كانت هذه المصانع تنتج مكونات أو مستلزمات تدخل في صناعات أخرى.

وفي المقابل، فإن بعض المصانع التي تمتلك منتجات قادرة على المنافسة الخارجية يمكن أن تتحول بعد إعادة الهيكلة والتحديث إلى طاقة إضافية لدعم الصادرات المصرية.

لكن الطريق لن يكون سهلًا، لأن مشكلة المصانع المتعثرة في كثير من الحالات لا تتوقف عند نقص التمويل. وقد تتطلب بعض الحالات حل مشكلات قانونية أو إدارية، أو تغيير هيكل الملكية، أو إدخال مستثمر جديد، أو تحديث التكنولوجيا، أو إعادة بناء شبكة التسويق والتوزيع.

وهنا تظهر أهمية الربط بين الصندوق ووزارة الصناعة والقطاع المصرفي واتحاد الصناعات، بحيث تصبح عملية إعادة التشغيل جزءًا من منظومة متكاملة وليس مجرد تدخل مالي مؤقت.

كما أن الشفافية في اختيار المصانع المستفيدة ستكون عاملًا أساسيًا في نجاح التجربة. فالأولوية الاقتصادية ينبغي أن تكون للمنشآت التي تمتلك أصولًا قابلة للتشغيل، وسوقًا يمكن الوصول إليه، ومنتجًا قادرًا على المنافسة، وإدارة يمكن تطويرها، ونموذج أعمال يمكن أن يستمر بعد انتهاء عملية إعادة الهيكلة.

إن مصر لا تحتاج فقط إلى إنشاء مصانع جديدة، وإنما تحتاج كذلك إلى الاستفادة من المصانع القائمة وإعادة توظيف الطاقات الإنتاجية المعطلة.

فالمصنع المتوقف يعني أرضًا ومباني وآلات وخبرات وعمالة وسلاسل توريد خارج دائرة الإنتاج، بينما إعادة تشغيله تعني استعادة جزء من هذه القيمة وإعادتها إلى الاقتصاد.

ومن هنا يمكن النظر إلى صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة باعتباره محاولة لتحويل “الطاقة المعطلة” إلى “طاقة منتجة”، وتحويل مصنع يواجه التعثر إلى فرصة استثمارية جديدة.

وفي تقديري، فإن نجاح التجربة يحتاج إلى متابعة مستمرة وقياس واضح للنتائج، بحيث يتم الإعلان بصورة دورية عن عدد المصانع التي تمت إعادة هيكلتها، وعدد المنشآت التي عادت إلى الإنتاج، وحجم فرص العمل التي تم الحفاظ عليها، وقيمة الإنتاج والاستثمارات الجديدة الناتجة عن البرنامج.

فالاقتصاد لا يقاس بحجم الأموال التي تدخل المشروعات فقط، وإنما بما تنتجه هذه الأموال من قيمة مضافة وفرص عمل وإنتاج وصادرات.

وفي النهاية، فإن إطلاق صندوق برأسمال مليار جنيه يمثل خطوة مهمة في ملف المصانع المتعثرة، لكن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستظهر عندما تتحول الأموال إلى ماكينات تعمل، وعمال يعودون إلى مواقعهم، ومنتجات تخرج إلى الأسواق، وسلاسل توريد تستعيد نشاطها، واستثمارات جديدة تدور داخل الاقتصاد المصري.

إن إعادة تشغيل مصنع قائم قد تكون في كثير من الحالات بداية أسرع لاستعادة الإنتاج من بناء مصنع

لا تفوتك