
بقلم / محمد الشناوي
في لحظة اقتصادية واجتماعية تتزايد فيها تطلعات المواطنين نحو حياة أكثر استقرارًا، يأتي «منتدى مصر 2026» ليطرح مجموعة من الأسئلة المهمة حول مستقبل التنمية في مصر، ومدى قدرة السياسات الاقتصادية والمشروعات القومية والبرامج الاجتماعية على إحداث تغيير حقيقي في مستوى معيشة المواطنين. فالرهان لم يعد مقتصرًا على معدلات النمو أو حجم الاستثمارات، وإنما يمتد إلى قدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل، وتحسين الدخول، وضبط الأسواق، وتطوير الخدمات الأساسية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع ثمار التنمية. وانطلقت فعاليات المنتدى في العاصمة الإدارية الجديدة خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر 2026، تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، ليجمع ممثلين عن الحكومة والخبراء والمتخصصين والمستثمرين ومختلف فئات المجتمع، بهدف تقييم ما تحقق من سياسات وبرامج تنموية، ومناقشة التحديات القائمة، وتحديد الأولويات خلال المرحلة المقبلة وحتى عام 2030. وتكمن أهمية المنتدى في أنه يفتح مساحة للنقاش حول العلاقة بين المؤشرات الاقتصادية العامة والواقع اليومي للمواطن، فنجاح أي برنامج إصلاحي لا يُقاس فقط بقدرته على تحقيق الاستقرار المالي، وإنما أيضًا بمدى انعكاسه على أسعار السلع، ومستوى الأجور، وجودة التعليم والصحة، وفرص العمل، وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية. الاقتصاد المصري.. من الاستقرار إلى الإنتاج والتشغيل يأتي المحور الاقتصادي في مقدمة الملفات التي تستحوذ على اهتمام المشاركين، في ظل الحاجة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات التي توفر قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد. وتناولت مناقشات المنتدى ملفات أمن الطاقة وتنويع مصادرها، وتحفيز الاستثمار المنتج، ورفع تنافسية الصناعة المصرية، وتوفير فرص عمل مستدامة، إلى جانب موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين العام، وملامح البرنامج الاقتصادي المصري حتى عام 2030 وتفرض هذه الملفات ضرورة الانتقال من مرحلة التركيز على استقرار المؤشرات الاقتصادية إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالإنتاج والتشغيل. فزيادة الاستثمارات تصبح أكثر تأثيرًا عندما تتجه إلى القطاعات الصناعية والزراعية والتكنولوجية، وتدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتقلل الاعتماد على الواردات حيثما أمكن، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات المصرية. كما يمثل القطاع الخاص عنصرًا مهمًا في هذه المعادلة، لما يستطيع توفيره من استثمارات وخبرات وفرص عمل. غير أن توسيع دوره يتطلب بيئة أعمال واضحة ومستقرة، وإجراءات أكثر كفاءة، وإتاحة التمويل للمشروعات القابلة للنمو، وربط التعليم الفني والتدريب باحتياجات المصانع والشركات. أما ملف الدين العام، فيظل مرتبطًا بأهمية إدارة الموارد المالية بكفاءة، وتوجيه الإنفاق نحو المجالات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، مع الحفاظ على قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا. الأسعار والتضخم.. الاختبار الحقيقي لنجاح السياسات على الرغم من أهمية المؤشرات الاقتصادية الكلية، فإن المواطن يقيس نتائج الإصلاح من خلال قدرته على شراء احتياجات أسرته، وتوفير الغذاء والسكن والعلاج والتعليم، والوفاء بالتزاماته الشهرية. ومن هنا تبرز أهمية ضبط الأسواق، وتعزيز المنافسة، ومواجهة الممارسات الاحتكارية، وتطوير منظومة سلاسل الإمداد والتوزيع، وتقليل الفاقد في الإنتاج الزراعي والغذائي. فاستقرار الأسعار لا يعتمد على الإجراءات الرقابية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى زيادة المعروض من السلع، وتحسين كفاءة الإنتاج والنقل والتخزين، وضمان وصول المنتجات إلى المستهلك بأسعار مناسبة. كما أن رفع الإنتاج المحلي يمثل أحد المسارات المهمة لتقليل التعرض للصدمات الخارجية وتقلبات أسعار السلع المستوردة. ويتطلب ذلك دعم الصناعة الوطنية، وتطوير الزراعة، وتحسين إتاحة مستلزمات الإنتاج، وتشجيع الاستثمارات التي تسهم في توفير السلع الأساسية. وتبقى حماية القوة الشرائية للمواطنين تحديًا رئيسيًا، خصوصًا للأسر محدودة الدخل والشرائح التي تتأثر دخولها بارتفاع تكاليف المعيشة. ولذلك، فإن أي برنامج اقتصادي ناجح يحتاج إلى الربط بين سياسات ضبط التضخم، وتحسين الدخول، وتوفير الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرًا. البعد الاجتماعي.. بناء الإنسان أساس التنمية لم يقتصر المنتدى على القضايا المالية والاستثمارية، بل امتدت أجندته إلى التعليم والصحة والشباب والثقافة والتنمية العمرانية والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي والمائي، بما يعكس أهمية التعامل مع التنمية باعتبارها عملية متكاملة لا تنفصل فيها الجوانب الاقتصادية عن الاجتماعية. فالتعليم، على سبيل المثال، يمثل استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري، وتزداد أهميته عندما يرتبط بتطوير المهارات العملية والتكنولوجية، وتأهيل الخريجين لمتطلبات سوق العمل، وتوسيع فرص التدريب المهني والتقني. وكلما تحسنت جودة التعليم، زادت قدرة الشباب على دخول سوق العمل والمشاركة في الإنتاج والابتكار. أما القطاع الصحي، فيمثل ركيزة أساسية لجودة الحياة، ويحتاج إلى استمرار تطوير الخدمات، وتحسين إتاحة الرعاية الطبية، والاهتمام بالمناطق الريفية والأكثر احتياجًا، وتقليل الفجوات في مستوى الخدمة بين المناطق المختلفة. وتتصل الحماية الاجتماعية بدورها بقدرة الدولة على مساندة الأسر الأكثر احتياجًا، وتطوير برامج الدعم بما يضمن وصولها إلى المستحقين، مع تعزيز فرص التمكين الاقتصادي حتى لا يقتصر الدعم على مواجهة الاحتياجات الآنية، بل يمتد إلى مساعدة المستفيدين على اكتساب المهارات وتحقيق دخل مستدام. وتبرز كذلك أهمية الاستثمار في الشباب من خلال التدريب والتشغيل وريادة الأعمال والأنشطة الرياضيه
والثقافية، بما يعزز مشاركتهم في الحياة العامة ويحول طاقاتهم إلى فرص حقيقية للإنتاج والابتكار. التنمية المتوازنة.. من المدن الجديدة إلى القرى والمراكز من القضايا المهمة التي يطرحها النقاش حول مستقبل التنمية ضرورة ضمان توزيع أكثر توازنًا لفرص الاستثمار والخدمات بين المحافظات والمراكز والقرى. فالتنمية لا تكتمل بإنشاء مشروعات كبرى أو تطوير مناطق عمرانية جديدة فقط، وإنما تتطلب أيضًا تحسين الخدمات الأساسية في المناطق التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام. وفي محافظات الصعيد، على سبيل المثال، تمثل مشروعات التصنيع الزراعي، وتطوير البنية الأساسية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم المشروعات الصغيرة، عناصر أساسية لتوسيع فرص العمل وتقليل الفجوات التنموية. كما أن دعم الاستثمار في الريف يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا في الوقت نفسه، من خلال إقامة مشروعات لتعبئة وتصنيع المنتجات الزراعية، وتطوير التخزين والتبريد، ورفع القيمة المضافة للمحاصيل، وربط المزارعين بالأسواق بصورة أكثر كفاءة. ومن شأن هذا التوجه أن يساعد على زيادة دخل المنتجين، وخلق فرص عمل للشباب والنساء، وتقليل الفاقد الزراعي، وتعزيز قدرة الاقتصاد المحلي على الاستفادة من موارده المتاحة. الأمن الغذائي والمائي.. قضية اقتصادية واجتماعية يمثل الأمن الغذائي والمائي أحد الملفات المؤثرة في مستقبل التنمية المصرية، في ظل تحديات الموارد المائية والتغيرات المناخية وتقلبات الأسواق العالمية. فالغذاء لا يرتبط فقط بتوافر السلع، وإنما يتصل أيضًا بقدرة المواطنين على الحصول عليها بأسعار مناسبة، وقدرة المزارعين على الإنتاج بتكاليف يمكن تحملها. ويحتاج تعزيز الأمن الغذائي إلى تطوير نظم الري، وتحسين إنتاجية المحاصيل، والتوسع في استخدام التكنولوجيا الزراعية، وتقليل الفاقد بعد الحصاد، وتطوير المخازن والصوامع وسلاسل التبريد، فضلًا عن دعم البحث العلمي الزراعي والإرشاد الفني. كما أن تحقيق التوازن بين احتياجات الإنتاج الزراعي والموارد المائية يتطلب إدارة أكثر كفاءة للمياه، واختيار المحاصيل وفقًا للظروف البيئية والاقتصادية، وتشجيع الممارسات التي تحقق أعلى إنتاجية ممكنة لكل وحدة مياه. ويمكن لهذه السياسات، إذا جرى تنفيذها بصورة متكاملة، أن تدعم المزارعين والمستهلكين في آن واحد، من خلال زيادة المعروض وتحسين كفاءة الأسواق والحد من الخسائر التي يتحملها المنتج أو المستهلك. الحوار المجتمعي.. كيف تتحول التوصيات إلى قرارات؟ تتمثل إحدى أهم القضايا المرتبطة بمنتدى مصر 2026 في قدرته على تحويل الحوار إلى مسار عملي للتغيير. فالمناقشات وتبادل الرؤى يمثلان خطوة مهمة، لكن الأثر الحقيقي يتوقف على ما يليهما من قرارات واضحة، وجداول زمنية للتنفيذ، ومؤشرات قابلة للقياس، وآليات لمتابعة النتائج. وقد استهدف المنتدى الاستماع إلى آراء المواطنين والخبراء وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني، ومقارنة المؤشرات الرسمية بتجارب المواطنين اليومية، من أجل تحديد الفجوات في الخدمات والسياسات وترتيب الأولويات المستقبلية. ومن هنا، فإن أهمية المشاركة المجتمعية لا تقتصر على إتاحة الفرصة لعرض المشكلات، بل تمتد إلى ضمان أن تجد المقترحات الجادة طريقها إلى الجهات المختصة، وأن يعرف المواطن ما جرى بشأنها، وما الذي يمكن تنفيذه، وما التحديات التي تحول دون ذلك. ويتطلب هذا المسار تعزيز الشفافية في عرض النتائج، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالمشروعات والبرامج التنموية، وتقييم أثر السياسات على الفئات المختلفة، بما يساعد على تصحيح المسار عند الحاجة. التحديات التي تواجه المرحلة المقبلة رغم ما يتيحه المنتدى من فرص لمناقشة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، فإن تحويل الرؤى إلى نتائج ملموسة يظل مرتبطًا بعدد من التحديات، أبرزها محدودية الموارد المالية، وضغوط تكاليف الإنتاج، وتقلبات الاقتصاد العالمي، والحاجة إلى زيادة الاستثمارات المنتجة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام. كما أن تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية يحتاج إلى سياسات متكاملة؛ فالتوسع في الإنتاج والاستثمار يجب أن يترافق مع حماية الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع تكاليف المعيشة، وتطوير الخدمات العامة، وتحسين فرص العمل والدخل. ومن المهم أيضًا ألا تقتصر عملية التقييم على حجم المشروعات المنفذة أو الأموال المستثمرة، بل تشمل العائد الذي حققته هذه المشروعات، وعدد فرص العمل المستدامة التي وفرتها، ومدى استفادة المواطنين منها، ومدى إسهامها في تحسين مستوى الخدمات وتقليل الفجوات بين المحافظات. الخلاصة.. قيمة المنتدى فيما يتركه من أثر يمثل منتدى مصر 2026 فرصة لمناقشة مستقبل الاقتصاد والمجتمع ضمن رؤية واحدة، تجمع بين الاستثمار والإنتاج والتشغيل من ناحية، والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية وجودة الحياة من ناحية أخرى. لكن المعيار الأساسي لنجاح هذه التجربة لن يكون عدد الجلسات أو حجم المشاركة وحدهما، وإنما ما ستسفر عنه من سياسات قابلة للتنفيذ، وقرارات تستجيب للاحتياجات الفعلية، وآليات تضمن متابعة النتائج ومحاسبة الجهات المسؤولة عن التنفيذ وفقًا للقواعد المعمول بها. فالمواطن ينتظر أن يرى أثر التنمية في حياته اليومية؛ في سعر السلعة، وفرصة العمل، وجودة الخدمة الصحية، ومستوى التعليم، وتحسن دخله، وقدرته على توفير حياة كريمة لأسرته. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام المرحلة المقبلة هو بناء علاقة أكثر تكاملًا بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بحيث تتحول الاستثمارات إلى إنتاج، ويتحول الإنتاج إلى فرص عمل ودخل، وتنعكس ثمار التنمية على مختلف فئات المجتمع ومحافظات الجمهورية. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بما يتحقق على الورق فقط، بل بما يلمسه المواطن من تحسن في حياته، وما تتيحه الأجيال القادمة من فرص أفضل للعمل والإنتاج والاستقرار.
