
بقلم د/ كريم ابوعيش
لا خلاف على أن الحضور الميداني للقيادة التنفيذية خطوة ضرورية، بل مطلوبة في وقتٍ طال فيه الاعتماد على التقارير أكثر من الواقع. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل جولة ميدانية: ماذا يحدث بعد أن يغادر الوزير المصنع أو الشركة؟
تحركات المهندس محمد شيمي، وزير قطاع الأعمال العام، داخل المصانع والشركات أعادت فتح ملفات ظلت لسنوات حبيسة المكاتب. الوزير رأى بعينه ما لم تكن تقوله الأرقام كاملة، واستمع إلى ما لا تذكره التقارير، ووقف أمام واقع يعرف التحديات أكثر مما يعرف الشعارات. غير أن الإصلاح الحقيقي لا يتوقف عند الرؤية، بل يبدأ من لحظة ترجمتها إلى قرار.
المشكلة في قطاع الأعمال العام لم تكن يومًا غياب الزيارات، بل غياب المحاسبة.
مصانع وشركات تُزار منذ سنوات، وملفات تُفتح، وخطط تُعلن، ثم تعود الأمور إلى مسارها القديم.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: من المسؤول عن سنوات الخسائر؟ من عطّل خطوط الإنتاج؟ ومن اتخذ قرارات كلفت الدولة مليارات دون عائد؟
الجولات الأخيرة كشفت بوضوح أن الأزمة ليست واحدة ولا متشابهة. هناك شركات تعاني سوء إدارة، وأخرى أُنهكت بقرارات استثمارية خاطئة، وثالثة تمتلك أصولًا وفرصًا حقيقية لكنها تُدار بعقلية لا ترى أبعد من نهاية العام المالي. وهنا لا يكفي أن يرى الوزير المشكلة، بل أن يُسمّي المسؤول عنها.
الوزير حضر، واستمع، وفتح الملفات. لكن العبء الأكبر الآن يقع على عاتق الشركات القابضة ومجالس إدارات الشركات التابعة. فإما أن تتحول الجولات إلى نقطة انطلاق لإعادة الانضباط، أو تتحول – لا قدّر الله – إلى مشاهد تتكرر دون تغيير جوهري.
ولعل ما ينتظره الرأي العام والعاملون داخل قطاع الأعمال العام، هو أن تُستكمل هذه الجولات بإعلان واضح وشفاف عن نتائجها، بما في ذلك ما يتم من إجراءات أو جزاءات بحق مجالس الإدارات أو القيادات المقصّرة. فالإفصاح عن المحاسبة لا يستهدف التشهير، بقدر ما يرسّخ مبدأ العدالة، ويبعث برسالة حاسمة مفادها أن المتابعة ليست شكلية، وأن التقصير له ثمن، وأن الإصلاح لا يكتمل إلا حين يعلم الجميع أن هناك حسابًا حقيقيًا.
الدولة لا تحتاج إلى مزيد من التشخيص، بقدر ما تحتاج إلى قرارات واضحة:
من يُستبدل؟
من يُحاسَب؟
ومن يُمنح فرصة أخيرة وفق جدول زمني صارم؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يشعر كل مسؤول داخل المصنع أو الشركة أن هناك من سيسأله، لا فقط من سيزوره. وعندما تتحول المتابعة من جولة إلى نظام، ومن نية إلى مؤشر أداء، ومن حضور إلى قرار مؤلم عند اللزوم.
الوزير محمد شيمي رأى الحقيقة بالفعل.
ويبقى السؤال الذي ينتظره العاملون في قطاع الأعمال العام قبل العناوين:
هل تبدأ المحاسبة؟
د/ كريم ابوعيش مدير عام العلاقات العامة
ومسئول علاقات المستثمرين
شركة زهراء المعادي للاستثمار والتعمير









