
بقلم: د. كريم ابوعيش
في المقال السابق، توقفنا عند تفاصيل المواجهة اليومية داخل القابضة للتشييد والتعمير. واليوم ننتقل إلى زاوية أخرى لا تقل خطورة: كيف تُدار التركة الثقيلة التي ورثتها الإدارة الحالية، وكيف تُترجم إلى مسار إصلاحي متوازن.
في مؤسسات بحجم الشركة القابضة للتشييد والتعمير، لا يبدأ القادة من صفحة بيضاء، بل من ملفات مثقلة بقرارات مؤجلة وعقود معقدة وتشابكات مالية وإدارية تراكمت عبر السنين. هنا لا تُورَّث الإنجازات وحدها، بل تنتقل أيضًا الأعباء الثقيلة التي تحتاج إلى عقل بارد وإرادة صلبة.
منذ تولي القيادة التنفيذية الحالية، بقيادة اللواء محمد مصطفى لبن، أصبح المشهد أكثر وضوحًا: فالإدارة تعمل في الوقت نفسه على ترتيب الملفات القديمة ومعالجة الإرث المؤسسي، بينما تستمر في إطلاق مشروعات جديدة ودفع عجلة العمل للأمام. وإلى جانبه، يتحرك الأستاذ عصام عبد الفتاح في مساحة مالية شديدة الحساسية، حيث لا تعكس الأرقام واقع اليوم فقط، بل تحمل آثار سنوات من الالتزامات والديون والتعاقدات التي وُقّعت في ظروف مختلفة تمامًا عن الحاضر.
ويبقى ملف العاملين أحد أخطر وأدق الملفات المطروحة على مائدة الإدارة، ليس فقط باعتباره بندًا ماليًا، بل كقضية إنسانية ومؤسسية في المقام الأول. فضعف المرتبات، وعدم التوازن بين حجم المسؤوليات والدخل، خلق حالة من الضغط الصامت داخل قطاعات واسعة، يعمل فيها كثيرون بإخلاص يفوق ما يحصلون عليه من مقابل عادل. معالجة هذا الملف لا يمكن أن تكون مسكنات مؤقتة، ولا وعودًا مؤجلة، بل تحتاج إلى رؤية عادلة توازن بين الإمكانيات الواقعية للدولة وحق العامل في حياة كريمة. فنجاح أي خطة إصلاح أو تطوير لن يتحقق إذا ظل العنصر البشري يشعر أنه الحلقة الأضعف، أو أن ثمن أخطاء الماضي يُدفع من جيبه ومستقبله.
ورغم ثقل الإرث، هناك إشارات نجاح لا يمكن تجاهلها. شركة مختار إبراهيم، على سبيل المثال، استطاعت الحصول على مشروعات في عمان والإمارات، وتحويل بعض الشركات التابعة من الخسارة إلى الربح. هذه الإنجازات تؤكد أن إدارة الإرث يمكن أن تترافق مع خطوات عملية نحو التعافي والتوسع.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تُحاسَب الإدارة الحالية على ما ورثته؟ المنطق يقول إن المسؤولية لا تقع على أخطاء الماضي، بل على كيفية إدارتها لهذا الإرث، وعلى القدرة في وقف النزيف ومنع تكرار الأخطاء ووضع مسار واضح للمساءلة المؤسسية. فالمحاسبة هنا ليست انتقامًا من الماضي ولا دفنه، بل فتح الملفات بعين مهنية تحفظ للدولة حقها، وللمؤسسة استقرارها، وللعاملين شعورهم بالعدالة.
التحدي الحقيقي إذن ليس فقط في إدارة المشروعات، بل في إدارة الذاكرة المؤسسية: ما يُغلق، وما يُصحَّح، وما يُستكمل، وما يخضع للمراجعة والمساءلة. هذه القرارات لا تُتخذ تحت ضغط الرأي العام، بل عبر عمل هادئ وشاق داخل غرف مغلقة، حيث يُصنع الإصلاح الحقيقي بعيدًا عن الشعارات.
اليوم، تقف القابضة للتشييد والتعمير في لحظة فاصلة بين تصفية تركة ثقيلة وبناء مسار أكثر اتزانًا. والفيصل في الحكم على الإدارة الحالية لن يكون في حجم ما ورثته، بل في شكل ما ستتركه خلفها. فالتاريخ لا يُنصف من تولى أصعب المراحل، لكنه يحاسب بدقة من لم يستغل الفرصة لتصحيح المسار.
د/ كريم ابوعيش
مدير عام العلاقات العامة
ومسئول علاقات المستثمرين
شركة زهراء المعادي للاستثمار والتعمير
