
بقلم د كريم ابوعيش
أن أي محاولة إصلاح حقيقية لا تبدأ من نقص الأموال، ولا من تقادم المعدات، ولا حتى من حجم الخسائر المتراكمة. المشكلة الحقيقية غالبًا ما تكون في من يديرون المشهد. نفس الإمكانيات، في مكانين مختلفين، قد تصنع نجاحًا هنا وفشلًا هناك… والفرق يكمن في الشخص الجالس على مقعد القرار.
في قطاع الأعمال العام، سمعنا لسنوات طويلة عن خطط تطوير، وضخ استثمارات، وإعادة هيكلة. عناوين كبيرة وملفات مفتوحة، لكن من وجهة نظري، السؤال الأهم ظل مؤجلًا: من يقود؟ وهل القيادات الموجودة قادرة فعلًا على التعامل مع مرحلة تختلف تمامًا عما سبقها؟
تحركات المهندس محمد شيمي، وزير قطاع الأعمال العام، أعادت هذا السؤال إلى الواجهة. أرى أن الجولات الميدانية وفتح الملفات أوضحت أن كثيرًا من أزمات الشركات لا ترتبط بندرة الموارد، بقدر ما ترتبط بإدارة ضعيفة ورؤية غائبة، وأنماط تفكير لم تعد مناسبة لواقع اقتصادي لا ينتظر أحدًا.
الاختبار الحقيقي، في رأيي، ليس الإعلان عن مشروعات جديدة ولا توقيع بروتوكولات وشراكات. الاختبار الأصعب هو تقييم القيادات كما هي، بلا مجاملة ولا حسابات مؤجلة. من نجح؟ من فشل؟ من استُهلكت فرصه؟ ومن تحوّل من جزء من الحل إلى جزء من المشكلة؟
الإصلاح لا يمكن أن يبدأ بعقلية تخشى التغيير، أو ترى المنصب حقًا مكتسبًا لا مسؤولية مؤقتة. ولا يمكن أن يستقيم في بيئة لا يشعر فيها أحد أن هناك حسابًا حقيقيًا.
الأخطر من سوء الإدارة، أعتقد، هو غياب العدالة داخل الشركات. حين يرى العامل أن التقصير يمر وأن الاجتهاد لا يُكافأ، تتحول بيئة العمل إلى أداء روتيني بلا انتماء. إعادة الانضباط لا تعني فقط تغيير أسماء، بل تعني قواعد واضحة يفهمها الجميع ويشعرون أنها تُطبّق على الجميع.
وفي رأيي، مسألة القيادات الشابة أساسية، خاصة من حملة الماجستير والدكتوراه داخل شركات قطاع الأعمال العام. فهذه الكفاءات تمثل طاقة حقيقية ظلت لسنوات حبيسة الأدوار التنفيذية المحدودة، دون أن تُمنح فرصة حقيقية للاختبار أو تحمل المسؤولية. بناء صف ثانٍ وثالث من القيادات لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة لضمان الاستمرارية وعدم تكرار نفس الأزمات. إعطاء الفرصة للشباب المؤهل، مع المتابعة والمحاسبة، هو الطريق الوحيد لتجديد الدماء، ونقل الخبرة، وكسر الحلقة المغلقة التي أعادت إنتاج المشكلات نفسها عبر سنوات طويلة.
المرحلة الحالية هي مرحلة ما بعد فتح الملفات. وهنا السؤال الفاصل: هل تتحول المراجعة إلى قرارات؟ وهل يصبح المنصب تكليفًا حقيقيًا؟ وهل يدرك كل مسؤول أن استمراره مرهون بما يقدمه اليوم، لا بما قضاه من سنوات؟ أؤمن أن الإجابة على هذه الأسئلة تحدد نجاح الإصلاح أو فشله.
القيادات أولًا… لأن أي إصلاح لا يبدأ من القمة غالبًا لا يكتمل. إما أن تنجح الدولة في هذا الاختبار الآن، أو نعود بعد سنوات لنفتح نفس الملفات، ونطرح نفس الأسئلة، وندفع نفس الثمن.
