658977195 1427610191785901 1376275604894774855 n
658977195 1427610191785901 1376275604894774855 n

بقلم / محمد الشناوي

في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية وصناعية واستراتيجية تتجاوز حدود قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة، تمضي مصر نحو توطين واحدة من أهم صناعات المستقبل، من خلال إنشاء أول مصنع متخصص في أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات BESS – Battery Energy Storage Systems على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا، باستثمارات تُقدر بنحو 50 مليون دولار، في المنطقة الصناعية بالسخنة التابعة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ويمثل المشروع نقلة نوعية في مسار التحول الأخضر الذي تتبناه الدولة المصرية، إذ لم تعد الاستراتيجية تركز فقط على إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وإنما انتقلت إلى مرحلة أكثر تطورًا تقوم على إنتاج الطاقة وتخزينها وإدارتها بكفاءة، ثم ضخها إلى الشبكة عند الحاجة.
وتأتي هذه الخطوة في إطار مشروع متكامل للطاقة المتجددة، يرتبط بصورة مباشرة بمشروع «وادي الطاقة المستدامة – Energy Valley» في محافظة المنيا، الذي تطوره شركة سكاتك النرويجية، بالتعاون مع عدد من الشركاء الدوليين، ضمن استثمارات إجمالية للمشروعات المرتبطة تتجاوز 1.8 مليار دولار.
مصنع من نوع مختلف
المشروع الجديد ليس مصنعًا تقليديًا لإنتاج البطاريات للاستخدامات المنزلية أو السيارات الكهربائية، وإنما يستهدف تصنيع أنظمة تخزين الطاقة الكهربائية المتكاملة BESS، وهي منظومة تكنولوجية تجمع البطاريات، ووحدات تحويل الطاقة، وأنظمة التحكم وإدارة البطاريات، وأنظمة الحماية والتبريد والمراقبة، بما يسمح بتخزين الكهرباء وإعادة ضخها إلى الشبكة وفق احتياجات التشغيل.
وتكمن أهمية هذه التكنولوجيا في أنها تعالج واحدة من أهم التحديات التي تواجه التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهي أن إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة يتغير وفق الظروف الطبيعية.
فالشمس لا تشرق ليلًا، والرياح لا تهب بالمعدلات نفسها طوال اليوم، بينما الطلب على الكهرباء مستمر على مدار الساعة.
وهنا يأتي دور أنظمة التخزين، التي تعمل كحلقة وصل بين وقت إنتاج الكهرباء ووقت استهلاكها.
ففي ساعات ارتفاع إنتاج الطاقة الشمسية، يمكن تخزين الكهرباء الفائضة، ثم استخدامها في ساعات المساء أو أثناء انخفاض الإنتاج، وهو ما يرفع القيمة الاقتصادية للطاقة المتجددة ويقلل الحاجة إلى تشغيل مصادر تقليدية في أوقات الذروة.
50 مليون دولار.. واستثمار في صناعة المستقبل
ويكتسب الاستثمار البالغ نحو 50 مليون دولار أهمية خاصة لأنه لا يمثل مجرد ضخ لرأس مال أجنبي في منشأة صناعية، وإنما يرتبط بتوطين صناعة ذات طبيعة تكنولوجية متقدمة.
وتشير البيانات الحكومية إلى أن المصنع المقام في نطاق المطور الصناعي «تيدا – مصر» بمنطقة السخنة الصناعية يقام على مساحة تصل إلى 50 ألف متر مربع، مع طاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ 10 جيجاوات/ساعة سنويًا عند التشغيل الكامل، ومن المخطط بدء الإنتاج خلال أبريل 2027. كما يستهدف المصنع توفير نحو 150 فرصة عمل مباشرة.
وتكشف هذه الأرقام عن طبيعة المشروع؛ فالمسألة ليست مجرد مصنع لتجميع بطاريات، بل منصة صناعية تستهدف بناء قاعدة إنتاجية يمكنها خدمة مشروعات الطاقة المتجددة داخل مصر، ثم التوسع مستقبلًا في الأسواق الإقليمية.
لماذا BESS مهمة لمصر؟
يمكن اختصار أهمية أنظمة تخزين الطاقة في ثلاث كلمات:
الاستقرار – المرونة – الاستدامة.
فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح تمثلان مصادر مهمة للكهرباء النظيفة، لكن دمجهما على نطاق واسع في الشبكات الكهربائية يحتاج إلى حلول قادرة على التعامل مع التذبذب في الإنتاج.
وتسمح أنظمة BESS بتخزين الكهرباء عندما يكون الإنتاج أعلى من الطلب، ثم إعادة استخدامها عندما يرتفع الطلب أو ينخفض الإنتاج.
وبذلك يمكن للنظام الكهربائي أن يستفيد بصورة أكبر من الطاقة المتجددة بدلًا من فقد جزء من الإنتاج أو الاضطرار إلى موازنة الشبكة بالاعتماد الكامل على محطات التوليد التقليدية.
وهذه الميزة تكتسب أهمية مضاعفة في مصر، التي تمتلك إمكانات ضخمة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فضلًا عن موقع جغرافي يسمح لها بأن تصبح مركزًا إقليميًا لتصدير الطاقة ومكونات التكنولوجيا المرتبطة بها.
المصنع والرهان على توطين التكنولوجيا
أحد أهم أبعاد المشروع هو نقل التكنولوجيا إلى السوق المصرية.
فالشراكة مع شركة Sungrow الصينية، المتخصصة عالميًا في تقنيات الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة، تفتح الباب أمام نقل خبرات متقدمة في مجال أنظمة التخزين إلى مصر. وقد سبق أن ناقشت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة مع الشركة سبل توطين صناعة بطاريات تخزين الطاقة وإقامة مصنع في مصر ونقل التكنولوجيا.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمشروع.
فتوطين التكنولوجيا لا يعني فقط تصنيع منتج داخل الحدود المصرية، وإنما يعني بناء منظومة من المهارات والخبرات وسلاسل التوريد والخدمات الهندسية والفنية المرتبطة بهذه الصناعة.
ومع الوقت يمكن أن تنشأ حول المصنع شركات محلية متخصصة في أعمال الكهرباء والتحكم والإلكترونيات والبرمجيات والصيانة والخدمات اللوجستية والمكونات الصناعية.
السخنة.. بوابة مصر إلى الأسواق الإقليمية
اختيار منطقة السخنة الصناعية التابعة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس لم يكن اختيارًا عشوائيًا.
فالمنطقة تمتلك ميزة جغرافية ولوجستية مهمة، بحكم قربها من الموانئ والممرات التجارية والأسواق الإقليمية.
وهذا يجعلها موقعًا مناسبًا لصناعة تستهدف ليس فقط السوق المصرية، وإنما يمكنها مستقبلًا التوجه إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تتزايد فيها الحاجة إلى حلول تخزين الكهرباء مع التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح.
وتعمل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على جذب الصناعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة، ويأتي مصنع أنظمة تخزين الطاقة كأحد المشروعات ذات البعد التكنولوجي المتقدم التي تدعم هذا التوجه.
«وادي الطاقة».. المصنع يجد سوقه الأول
ومن أبرز عناصر قوة المشروع وجود سوق استهلاكية مرتبطة به منذ البداية.

فمشروع «وادي الطاقة المستدامة – Energy Valley» في محافظة المنيا يتضمن محطة كبيرة للطاقة الشمسية، إلى جانب أنظمة تخزين كهرباء بالبطاريات.
وتشير البيانات الحكومية إلى أن مشروع وادي الطاقة يتضمن قدرة توليد تبلغ 1.7 جيجاوات تيار متردد من الطاقة الشمسية الكهروضوئية، مدعومة بأنظمة تخزين بطاريات بسعة إجمالية تصل إلى 4 جيجاوات/ساعة، مع توزيع مكونات التخزين جغرافيًا بين المنيا وقنا والإسكندرية.
كما يتضمن المشروع إنشاء محطات محولات وخطوط نقل مخصصة لربط القدرات المنتجة بالشبكة القومية للكهرباء.
وهذا التكامل بين التوليد والتخزين والنقل هو ما يجعل المشروع مختلفًا عن محطات الطاقة المتجددة التقليدية.
أكثر من مجرد كهرباء
الهدف النهائي لا يتمثل فقط في إنتاج مزيد من الكهرباء، وإنما في إنتاج كهرباء نظيفة ومستقرة وقابلة للإدارة.
فوجود منظومة تخزين ضخمة يسمح باستغلال الكهرباء الشمسية خلال ساعات النهار وتخزين الفائض، ثم توفيرها في أوقات أخرى.
وبالتالي يمكن للطاقة الشمسية أن تصبح جزءًا أكثر فاعلية من منظومة الكهرباء على مدار اليوم، وليس فقط خلال ساعات سطوع الشمس.
وهذا المفهوم يمثل أحد الاتجاهات الرئيسية في مستقبل قطاع الطاقة عالميًا.

أثر اقتصادي يتجاوز المصنع
المردود الاقتصادي للمشروع يمكن أن يظهر على عدة مستويات.
أولًا، تقليل فاتورة استيراد بعض أنظمة ومكونات التخزين مع زيادة التصنيع المحلي.
ثانيًا، خلق فرص عمل مباشرة داخل المصنع، إلى جانب فرص غير مباشرة في الشركات والمقاولين ومقدمي الخدمات.
ثالثًا، تطوير مهارات فنية وهندسية جديدة في مجال أصبح من أهم مجالات الاقتصاد الأخضر.
رابعًا، جذب استثمارات جديدة مرتبطة بصناعة الطاقة المتجددة.
خامسًا، إمكانية التوسع مستقبلًا في التصدير إلى الأسواق الأفريقية والعربية.
وهنا تتحول مصر تدريجيًا من سوق مستهلك للتكنولوجيا إلى قاعدة إنتاج إقليمية لبعض تقنيات الطاقة النظيفة.
10 جيجاوات/ساعة.. رقم يعكس الطموح
تصل الطاقة الإنتاجية المستهدفة للمصنع إلى 10 جيجاوات/ساعة سنويًا عند التشغيل الكامل.
وهذا الرقم يمنح المشروع قدرة على خدمة مشروعات كبيرة في قطاع الطاقة المتجددة، كما يتيح إمكانية بناء قاعدة إنتاج يمكن أن تنمو مع توسع الطلب المحلي والإقليمي على أنظمة التخزين.
والأهم أن وجود قدرة إنتاجية محلية بهذا الحجم يمكن أن يساعد في تقليل زمن توريد المعدات لمشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، خاصة في ظل النمو المتزايد عالميًا في الطلب على تقنيات التخزين.
أمن الطاقة.. البعد الاستراتيجي للمشروع
تخزين الكهرباء لم يعد رفاهية تكنولوجية.
لقد أصبح جزءًا أساسيًا من أمن الطاقة في الدول التي تتوسع في الاعتماد على المصادر المتجددة.
فكلما زادت مساهمة الطاقة الشمسية والرياح في مزيج الكهرباء، زادت الحاجة إلى أدوات قادرة على إدارة الفارق بين الإنتاج والاستهلاك.
ومن هنا فإن إنشاء مصنع محلي لأنظمة BESS يساهم في بناء قدرة وطنية في قطاع يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الشبكة الكهربائية.
كما أن المشروع يتماشى مع توجه الدولة نحو زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء، وتعزيز دور القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية في مشروعات الطاقة النظيفة.
المنيا.. من قلب الصعيد إلى خريطة الطاقة العالمية
ويكتسب المشروع أهمية إضافية بالنسبة لمحافظة المنيا، التي تستعد لاستقبال مشروع «وادي الطاقة المستدامة».
فالمحافظة لا تحصل فقط على محطة لإنتاج الطاقة الشمسية، وإنما تدخل في منظومة متكاملة تشمل التوليد والتخزين والربط بالشبكة والتصنيع.
وقد أكدت محافظة المنيا أن مشروع وادي الطاقة يمثل مشروعًا تنمويًا طويل الأجل، مع توقعات بتوفير أكثر من 5 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل، وفق ما أعلنته المحافظة في بياناتها حول المشروع.
وبذلك يصبح الاستثمار في الطاقة النظيفة أداة للتنمية الإقليمية، وليس مجرد مشروع كهرباء.
مصر أمام فرصة لصناعة إقليمية جديدة
الفرصة الأكبر التي يوفرها المشروع لمصر هي إمكانية بناء صناعة إقليمية متكاملة.
فالمنطقة العربية والأفريقية تمتلك موارد هائلة من الشمس والرياح، لكنها تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الشبكات والتخزين لتحقيق الاستفادة الكاملة من هذه الموارد.
ومع موقع مصر، وبنيتها التحتية، وموانئها، وشبكة الكهرباء، واتفاقياتها التجارية، يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمعدات وحلول تخزين الطاقة إلى أسواق أخرى.
ومن هنا فإن المصنع يمكن أن يكون بداية لمسار صناعي أوسع، يشمل مستقبلًا مكونات إضافية لمنظومات الطاقة الشمسية والتخزين، ومراكز الصيانة والخدمات الهندسية، والتدريب، والبحث والتطوير.
تحديات يجب التعامل معها
رغم الفرص الكبيرة، فإن نجاح المشروع على المدى الطويل يتطلب التعامل مع عدد من التحديات.
في مقدمتها رفع نسبة المكون المحلي تدريجيًا، وتطوير الكوادر البشرية، وتعزيز برامج التدريب الفني والهندسي، وربط الصناعة بالجامعات ومراكز البحوث.
كما يتطلب الأمر بناء منظومة قوية لإدارة دورة حياة البطاريات، بما في ذلك الصيانة وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير والتعامل الآمن مع البطاريات في نهاية عمرها التشغيلي.
وهناك كذلك تحدي القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، وهو ما يتطلب جودة مرتفعة وتكلفة إنتاج تنافسية والتزامًا بالمعايير الدولية

من مستورد للتكنولوجيا إلى مُصنّع لها
ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يحملها المشروع.
فمصر لا تستهدف فقط إنشاء محطة جديدة للطاقة الشمسية، وإنما تتحرك نحو توطين التكنولوجيا التي تجعل الطاقة المتجددة أكثر كفاءة واستقرارًا.
والفرق كبير بين دولة تشتري محطة للطاقة المتجددة ودولة تمتلك جزءًا من التكنولوجيا والصناعة التي تقوم عليها هذه المحطة.
وإذا نجحت مصر في تعميق التصنيع المحلي وتطوير الكفاءات وربط الصناعة بالبحث العلمي، فإن مصنع أنظمة BESS يمكن أن يتحول من مشروع منفرد إلى نواة لصناعة استراتيجية كاملة.
الخلاصة
وضع حجر أساس أول مصنع متخصص في أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات في الشرق الأوسط وأفريقيا، باستثمارات تبلغ نحو 50 مليون دولار، يمثل أكثر من افتتاح منشأة صناعية جديدة.
إنه إعلان عن دخول مصر مرحلة جديدة في صناعة الطاقة.
مرحلة لا تكتفي بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وإنما تعمل على تخزينها وإدارتها وتحقيق استقرارها وتصنيع التكنولوجيا المرتبطة بها محليًا.
ومع طاقة إنتاجية مستهدفة تصل إلى 10 جيجاوات/ساعة سنويًا، وارتباط المصنع بمشروع «وادي الطاقة» في المنيا، وموقعه الاستراتيجي في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تبدو أمام مصر فرصة حقيقية لبناء مركز إقليمي لصناعة أنظمة تخزين الطاقة وخدمة مشروعات الطاقة النظيفة في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا.
فالمعركة المقبلة في قطاع الطاقة لن تكون فقط حول من يستطيع إنتاج الكهرباء بتكلفة أقل، وإنما أيضًا حول من يستطيع تخزينها بكفاءة، وإدارتها بذكاء، وتصنيع التكنولوجيا اللازمة لذلك.
وفي هذا السباق، تضع مصر قدمها مبكرًا على طريق صناعة يُتوقع أن تصبح أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومة الطاقة العالمية خلال العقود المقبلة.