د. كريم ابوعيش يكتب/ القابضة للأدوية… صناعة تمس حياة الناس وتُقاس بالأرقام قبل أن تُحسب بالمواقف

بقلم د كريم ابوعيش
في قطاع الأعمال العام لا تُقاس أهمية الشركات بحجم أرباحها فقط بل بمدى اتصالها المباشر بحياة المواطن ومن بين هذه الكيانات تحتل الشركة القابضة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية مكانة خاصة فهي ليست مجرد مؤسسة اقتصادية بل ذراع استراتيجي للدولة في ملف بالغ الحساسية وهو الدواء.
القابضة للأدوية تدير منظومة عريقة تضم شركات لها تاريخ طويل في الصناعة الدوائية المصرية وكانت لعقود خط الدفاع الأول عن توافر الدواء محليًا خصوصًا في الأوقات التي ترتفع فيها الأسعار عالميًا أو تتراجع فيها شهية الاستيراد وهذا الدور وحده يجعل أي نقاش حول القابضة نقاشًا وطنيًا بامتياز لا يجوز اختزاله في أرقام ختامية أو مؤشرات ربح وخسارة لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بتجاهل الأرقام حين تُظهر اتجاهًا حقيقيًا نحو النمو والتعافي.
خلال العام المالي 2023/2024 حققت القابضة وشركاتها التابعة إيرادات نشاط قُدّرت بنحو 7.8 مليار جنيه مع صافي ربح بلغ حوالي 777 مليون جنيه في زيادة مطّردة عن السنوات السابقة وصادرات وصلت إلى نحو 650 مليون جنيه وهو ما يعكس قدرة الشركات التابعة على تحسين كفاءة التشغيل وتوسيع نطاق الإنتاج رغم ظروف السوق المعقدة.
وفي العام المالي التالي 2024/2025 ارتفعت وتيرة النمو بشكل لافت إذ سجلت القابضة إجمالي إيرادات مجمعة بلغت حوالي 11.6 مليار جنيه بنمو قوي مقارنة بالعام السابق فيما بلغ صافي الربح نحو 2.1 مليار جنيه بزيادة تقترب من 174% وهو ما يعكس نجاح برامج التطوير وإعادة الهيكلة التي تتبناها الإدارة التنفيذية.
ولا تقتصر المؤشرات على الربحية فقط بل يتضح من التقارير أن القيمة السوقية للشركات التابعة المتداولة في البورصة المصرية شهدت ارتفاعًا كبيرًا بنحو 465% خلال فترة ممتدة من منتصف 2024 وحتى أواخر 2025 بما يعكس ثقة المستثمرين في مستقبل القابضة وشركاتها العاملة في السوق المحلية والعربية.
كما لا تغيب الرؤية المستقبلية عن الحسابات فوفق الموازنة التخطيطية المعتمدة للعام المالي 2025/2026 تستهدف القابضة زيادة الإيرادات المجمعة إلى نحو 18 مليار جنيه مع صافي ربح مستهدف يتجاوز 3.4 مليار جنيه في مؤشر واضح على طموح تصاعدي مدعوم بخطط تطوير شاملة.
وفي هذا السياق يحظى ملف القابضة للأدوية باهتمام مباشر من معالي المهندس محمد شيمي وزير قطاع الأعمال العام إدراكًا لحساسية هذا القطاع وأهميته الاستراتيجية حيث يحرص على المتابعة الدورية لأداء الشركات التابعة ومراجعة خطط التطوير والتحديث والتدخل في التوقيت المناسب لإزالة أي معوقات قد تؤثر على استمرارية الإنتاج أو توافر الدواء هذا الاهتمام لا ينحصر في المؤشرات المالية فقط بل يمتد إلى الحفاظ على استقرار المنظومة الدوائية وتحقيق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات الكفاءة الاقتصادية باعتبار الدواء ملفًا ووطنيًا لا يحتمل المجازفة أو التأجيل.
لكن الاعتراف بالأهمية لا يعني تجاهل التحديات الحقيقية فالصناعة الدوائية من أكثر الصناعات تعقيدًا وتتأثر بعوامل متشابكة أبرزها ارتفاع أسعار الخامات المستوردة وتقلبات العملة وضغوط التسعير الجبري ومتطلبات رقابية صارمة لا تقبل التهاون وهو ما يضع شركات القابضة في معادلة صعبة تتعلق بالحفاظ على جودة الدواء وسعره المقبول دون الانزلاق إلى خسائر مزمنة.
التحدي الأول يتمثل في الاقتصاديات المختلة للتسعير حيث تُباع كثير من المستحضرات الحيوية بأسعار تقل عن تكلفتها الفعلية حفاظًا على البعد الاجتماعي وهو دور لا يمكن إنكاره أو التخلي عنه لكن استمراره دون آليات تعويض ذكية يضغط على القدرات المالية للشركات ويحد من قدرتها على التطوير والتحديث.
أما التحدي الثاني فيرتبط بالبنية الإنتاجية إذ تحتاج بعض خطوط الإنتاج إلى تحديث حقيقي ليس فقط لمواكبة المعايير العالمية بل لزيادة الكفاءة وتقليل الفاقد وهنا لا يكون الاستثمار رفاهية بل ضرورة وجودية لأن سوق الدواء لا يرحم من يتأخر خطوة واحدة عن التطور.
وفي قلب هذه المنظومة يبرز العنصر البشري كأحد أهم الأصول وأحد أعقد الملفات في الوقت نفسه فآلاف العاملين يحملون خبرات تراكمية هائلة لكنهم يواجهون في المقابل ضغوطًا معيشية وتأخرًا في تحسين الأجور وفجوة متزايدة بين ما يبذلونه من جهد وما يحصلون عليه من عائد وحقوق العاملين هنا ليست ملفًا هامشيًا بل ركيزة أساسية للاستقرار والاستمرارية فلا صناعة دواء قوية بدون عامل مطمئن يشعر أن المؤسسة تقف إلى جانبه لا فوقه.
ورغم هذه التحديات فإن النظرة المنصفة تفرض الاعتراف بأن القابضة للأدوية لم تتعامل مع الواقع بمنطق الإنكار أو التجميل بل بادرت بتحسينات تشغيلية واستراتيجية شملت إدخال مستحضرات جديدة وتطوير خطوط الإنتاج والدخول في قطاعات علاجية حيوية مثل أمراض الضغط والسكر والمضادات الحيوية وهو ما يعزز قدرتها على مواجهة تحديات السوق والطموح نحو التوسع.
التحدي الأكبر يظل في إدارة التوازن بين الربحية والمسؤولية بين السوق والواجب الوطني وبين الاستثمار في المستقبل والحفاظ على الحاضر وهو توازن لا يُدار بالشعارات بل بالقرارات الصعبة التي قد لا تكون شعبية لكنها ضرورية.
القابضة للأدوية اليوم تقف في منطقة وسطى دقيقة ليست قصة نجاح مكتملة وليست حالة فشل كما يصورها البعض بل مؤسسة في مسار إصلاح طويل تحتاج إلى دعم واعٍ ونقد مسؤول وإرادة سياسية وإدارية تدرك أن الدواء ليس سلعة عادية وأن العامل ليس رقمًا في كشف حساب.
الرهان الحقيقي ليس فقط على تحسين المؤشرات المالية بل على بناء نموذج مستدام لصناعة دوائية وطنية قوية تحافظ على الأمن الصحي وتصون كرامة العامل وتثبت أن شركات الدولة قادرة على البقاء والمنافسة عندما تُدار بعقل لا بردود أفعال.









